أربع قصائد

للشاعر التايلندي: ناوارات بونغبايبون

Naowarat Pongpaiboon

ترجمة: خالد البدور

 

1 - مجرد حركة

 

مجرد خفقة لجناح عقابٍ

تُلطِّف حرارةَ الشمس

مجرد اهتزازة لورقةٍ واحدةٍ

تُعلن عن مقدمَ الرياح.

 

مجردُ وميض لإنعكاس المويجات

يعلنُ عن صفاء الماء

مجردُ ألمٍ خفيف يلمعُ في العيون

يُعلن عن وجود القلب.

 

صوتُ السلاسلِ في البوابة المغلقة

يجعلُ نحيب البؤس عظيماً

بينما بصيص الضوء الشاحب

يجعلنا نهمس:

(هناك طريق، هناك طريق).

 

القبضة المتعرقة الساخنة التي انتظرت طويلاً

تضربُ في النهاية

أية رحمةٍ هذه

تضرب وتسقط

ترتفع وتسقط مرة أخرى

تعرفُ في كل مرة

ما هو طعم الرحمة.

 

الأصابع الضاربة، المتلاصقة بوهن تتحرك

قوية إلى درجة تمنح العزيمة

كورق العشب الناحل 

الذي يؤرجح رؤوسه بفخر 

فوق الشقوق الصخرية.

 

خواء أربعين عام

جمودٌ لأربعين مليون سنة

الطين يتحول إلى رمل، والخشب إلى حجر

ثابت برمته، غير مرئي، ومهمل.

 

كما يغفل الطائر عن السماء،

والسمكة غير واعية بالماء،

أو الدودة ملتفة بالطين

أو اليرقة عمياء عن القذارة.

يزحفُ العفنُ فوق المستنقع الهادئ

مع هذا من بين العفونة يصعد 

أول الخيوط الواهنة، 

مجرد حركة 

ويكون حقل لوتس رائع بالإنتظار.

 

وعدٌ يستيقظ، دونما أذى

متشكلاً من الرحمة، والجمال

وسط السكون المظلم

وتبدأ البداية.

 

أنصِت لطبول المعبد.

راقب يوماً مقدساً آخر.

إستمع إلى دويِّ البنادق

وانتبه إلى صراخ الناس في المعارك.

 

 

2  - أزهار بجانب الطريق

 

أزهار بجانب الطريق 

تومض، تومض بهدوء

هذه الأزهار الرائعة الصغيرة

ترقص متوهجة بحيوية

متباهية بجمالها في الريح!

 

تنغلق ستارة الضباب

والشمس تخفتُ أشعتها

مواسية الأزهار الرقيقة

غارقة في كون مبهم!

 

ستحطِّمكِ الريحُ العاتية

أيتها الأزهار الجميلة، 

لكن ليس بلا جدوى

تسقط براعمك الثمينة

وتنتشر، في كل مكان!

 

كم أنت هشّة، وثمينة

كم أحبّك وأقدّرك

في كل طريق برّي

الأزهار الرائعة 

تُزهرُ دون خوف!

 

 

3  - إتبع الماء الجاري

 

إتبع الماء الجاري

منصتاً لخريرهِ

بينما أوراق الشجر تهمس

والعشب الأخضر البهيّ!

 

إتبع طيران الطيور

إلى قمة الجبل!

ثم تأخذ استراحتها العميقة

في عمق الغابة المظلمة!

 

إتبع رقصة الطبيعة

إذ تعصف بعيداً، بعيداً

أوراق الشجر تطفو في الهواء

ثم تتساقط على الأرض!

 

إتبع القلب الحائم

بإستمرار

حتى ينهار الجسد

ولا مزيد من الأفكار أو الأحلام!

 

 

4 - إستيقظ الآن

 

إستيقظ الآن

أنظر إلى التحول

و إلى الحكمة 

تقف جنباً إلى جنب مع الجهل.

 

هي بهجة ليوم واحد فقط

كما الدخان الذي يطفو

يرتفع إلى الأعلى ثم يسقط

متحولاً إلى غبار ذائب!

 

تنتشر البراعم الحمراء

ثم تنمو لتصبح شجرة كبيرة

ثم لتموت بكل هدوء

مانحة الحياة لشجرةٍ جديدة.

 

إستيقظ الآن

أنظر إلى التحول المتغير

هنا وهناك

في كل لحظة 

في الرياح.

 

ملامح شعره 

 

في مجموعتيه الشعريتين (أغنية الناي) و (وجهة نظر)، يزاوج ناوارات بونغبيبون بين ثيمتين، الحب للطبيعة، والتأمل المتصل بالتعبد البوذي. في قصيدة (أزهار بجانب الطريق) يحاول الشاعر نقل (قيمة) الأزهار البرية الطبيعية إلينا. يدل العنوان (أزهار بجانب الطريق) على أن الأزهار تبدو عديمة الأهمية، دون فائدة، وحين ينظر لها عابر الطريق لاينتبه لها وقد يقطفها دون اكتراث أو تركيز في فعله ذاك. 

لكن الأزهار التي (بلا أهمية) يتم الإحتفاء بها في هذا النص كعنصر هام جداً يهب الحياة والجمال ويخلق توازنا طبيعياً في بيئته. يذهب الناقد سوشيترا جونغستيت فاتانا، في بحث مطول له عن شعر ناوارات، إلى أن الشاعر يريد أن يرينا كيف يجب أن ننظر ونحترم ونتعلم من كل عناصر الطبيعة. من خلال التأمل والتمعن في أصل الأشياء والعناصر والكائنات يصل الإنسان، في النهاية، إلى (الحكمة).

أما نص (إتبع الماء الجاري) فيرمز إلى الكمال والإتقان والوفرة في الطبيعة: الماء المتدفق، العشب الأخضر، الطيور، الجبال، والغابات. كل هذه العناصر مكتملة التكوين، لايوجد بها نقص وهي تولد وتعيش وفق نظام دقيق لايختل. هذ الإتقان والكمال يتحول إلى وسيلة تأمل و(تعبّد) عند الشاعر، فيجلس متفكراً في هذه المعجزة الكونية. 

يقودنا الشاعر في طريق نتمكن فيه من اكتشاف غنى الكون ونظامه الدقيق، هذا الإكتشاف هام جداً لحياتنا وعلينا استلهام دروس عدّه منه. توحي نهاية القصيدة بهذه الحكمة حين يكتشف الشاعر (حقيقة) الـ (السامسارا) وهي مصطلح بوذي يعني دورة الحياة من الولادة، إلى النمو، ثم الموت، ثم التقمص أو عودة الروح والمستمرة إلى الأبد. في هذه الدورة يمكن للإنسان الذي يستسلم لرغبات الدنيا والجسد أن يفقد ذاته وروحه ويصبح مسيراً ومرتهناً للقشور والأمور السطحية في الحياة. 

 

يصور في قصيدته (إستيقظ الآن) وبوضوح كيف يجب أن نتخلص من هذا العذاب. فيدافع عن أهمية (أن تكون مستيقظاً) أو (مستنيراً) حتى تتمكن من رؤية دورة الحياة على حقيقتها وحتى يمكنك التعلم منها. إن فعل الأمر (إستيقظ) أو أن (تستيقظ) يحيلنا إلى أسمى هدف في جميع الأديان والفلسفات ومنها البوذية. 

فبعد حياة طويلة وتأمل في العذاب الإنساني استيقظ بوذا على الحكمة الكبرى حين تمكن من معرفة سبب الشقاء وكيف نتخلص منه. وأسم (بوذا) يعني الشخص المستيقظ أو المستنير.  هذا هو الإستيقاظ الروحي من السبات والجهل والعمى الدنيوي، أي أن تتخلص من تأثير (السامسارا)، وتفيق من الوهم الذي تعيشه في حياتك الماديه على الأرض. هذه (الإستنارة) هي الخلاص من (العذاب) الذي يعيشه الكائن في الوجود. 

سبب معاناة الإنسان تشبثه بالأشياء الزائلة والإنسياق وراء نزوات تضخم الذات والطمع في جمع المال والتشبث بالسلطة والإنسياق وراء الرغبات واللذائذ المادية. علينا، كما يحثنا الشاعر، أن نفيق مما نحن فيه ونعي دورنا وسبب وجودنا وبهذا ننمو فكرياً وروحياً. 

هنا يقترح التفكير في ماهية وتحولات الطبيعة من حولنا، كوسيلة لبلوغ الحكمة. بهذا الإعتبار تصبح الطبيعة خير ملهم لنا لـ (اليقظة الروحية).

 

سيرة الشاعر

 

ولد الشاعر التايلندي ناوارات بونغبيبون عام 1939، ودرس القانون في بانكوك. بعد تخرجه سلك طريق التنسك البوذي ورحل إلى الجنوب لنشر التعاليم البوذية. عمل كناشر ومحاضر، ثم عمل في أحد المصارف كموظف علاقات عامة ثم مديراً لمركز الموسيقى والدراما التابع لنفس المصرف. في كل تلك المراحل كان يكتب النصوص النثرية والشعرية وينشرها في الصحف والمجلات. حصل على التقدير والشهرة بسبب قصائد الحكمة والمعرفة حتى سمي (الشاعر الفيلسوف). هو كذلك عازف ناي متميز، استطاع نقل موسيقاه الرائعة إلى أشعاره. تأثر جداً بالطبيعة، ولعبت البوذية وممارسة (الزن)، أو التآمل البوذي، دوراً كبيراً في شعره. حصل على جائزة إي إس تي للكتابه، كما حصل على تكريم بتسميته (الفنان الوطني التايلندي المتميز) عام 1993.